main-logo

<pre class="ql-syntax" spellcheck="false">A store specialized in selling books and publications of Madinah Research and Studies Center Address: 4536 King Abdullah Branch Road - Al-Khatim District 61

المساجد التي قيل إن النبي ﷺ صلى فيها، وقيل إنه لم يصلِّ فيها

المساجد التي قيل إن النبي ﷺ صلى فيها، وقيل إنه لم يصلِّ فيها

المساجد التي قيل إن النبي ﷺ صلى فيها، وقيل إنه لم يصل فيها


دراسة في ضوء ما ورد في كتاب “أخبار المدينة” لأبي غسان محمد بن يحيى المدني (ص ١٣٦- ١٣٨)


أولًا: عنوان الباب كما ورد في الكتاب


يعقد المؤلف بابًا خاصًا بعنوان: (ذكر المساجد التي يقال: إنه صلى فيها، ويقال: إنه لم يصل فيها)


وهذا العنوان بحد ذاته يكشف منهجًا تاريخيًا مهمًا عن طبيعة الخلاف الذي سيسوقه المؤلف في هذا الكتاب؛ فهو لا يجزم بصحة إحدى الروايتين (الصلاة/عدم الصلاة) بل ينقل الروايتين المتعارضتين كما وردتا عن الرواة، تاركًا الحكم النهائي لمن يدرس الأسانيد.


فجميع الروايات في هذا الباب مسندة عن طريق ابن أبي يحيى (إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي)، وهو راوٍ مكثر في هذا الكتاب، وتتفرع عنه أسانيد متعددة إلى صحابة أو أبنائهم.


ثانيًا: الروايات التي سيقت في الباب (١٥٠-١٥٧)


١- رقم [١٥٠] - بيت سعد بن خيثمة بقباء


أن النبي ﷺ اضطجع في البيت الذي في دار سعد بن خيثمة بقباء.


وفي رواية أخرى: أنه دخل بيت سعد بن خيثمة وجلس فيه.


الاختلاف: أن بعض أهل المدينة عدّ موضع الدار من المواضع التي صلى فيها النبي ﷺ. بينما الرواية التي نقلها أبو غسان لا تذكر صلاة، وإنما تذكر الاضطجاع أو الجلوس فقط.


رأي المؤرخين: السمهودي ذكر أن موضع الدار أصبح داخل توسعة مسجد قباء. وبيّن المحققون أن الإسناد ضعيف جدًا، فلا يثبت به حكم تاريخي جازم.


٢- رقم [١٥١] - نفي الصلاة في ثلاثة مساجد دفعة واحدة


رواية عن أبي بكر بن يحيى بن النضر عن أبيه: أن النبي ﷺ لم يصلِّ: في المسجد الذي في دار الأنصار، ولا في مسجد بني زريق، ولا في مسجد بني مازن.


ملاحظات المحقق على هذه الرواية:


يشير المحقق إلى اختلاف نسخ الكتاب في اسم الراوي: ففي نسخة تاريخ المدينة لابن شبة بتحقيق فهيم شلتوت ورد الاسم ( أبي بكر بن يحيى بن التمر )، والمحقق هنا يرجّح أن هذا تصحيف، وأن الصواب هو ما أثبته المتن (يحيى بن النضر) - وهذا مثال واضح على اختلاف الروايات بين النسخ المخطوطة والمطبوعة.


عن المسجد الذي في دار الآنصار: روى أبو غسان: أن النبي ﷺ لم يصل في المسجد الذي في دار الأنصار. وهذه الرواية جاءت بصيغة النفي الصريح.


عن مسجد بني زريق: جاء في الرواية نفسها: ولا في مسجد بني زريق.


هنا يقول المؤرخون أن مسجد بني زريق يعد أول مسجد قرئ فيه القرآن. وأن رافع بن مالك الزرقي لما رجع من العقبة جاء بما نزل من القرآن فجمع قومه وقرأ عليهم فيه.


أي أن فضيلة المسجد ليست مبنية على ثبوت صلاة النبي ﷺ فيه، وإنما لكونه أول موضع قُرئ فيه القرآن بالمدينة. المصادر: ابن حجر، الإصابة؛ السمهودي، وفاء الوفا.


عن مسجد بني مازن: تذكر الحاشية هنا أن منازل بني مازن كانت جنوب بئر البصة قرب البقيع، وأن السمهودي نفسه لم يعثر على أثر يدل على هذا المسجد في عصره - وهذا شاهد على اختلاف المؤرخين وتضارب أقوالهم في تحديد مواضع بعض هذه المساجد أصلًا.


٣- رقم [١٥٢] - مسجد بني سالم الأكبر


عن سعد بن إسحاق: أن النبي ﷺ لم يصلِّ في مسجد بني سالم الأكبر. وهذه من أهم نقاط الخلاف في الباب: لذلك تنبّه الحاشية (رقم ١) إلى أن هذا المسجد (بني سالم الأكبر) غيرُ مسجد بني سالم الأكبر المعروف الذي صلى فيه النبي ﷺ فعلًا والمعروف بـمسجد عاتكة! أي إن هناك مسجدين يحملان الاسم نفسه تقريبًا، أحدهما صلى فيه النبي ﷺ (مسجد عاتكة) والآخر لم يصلِّ فيه - وهذا يفسر جانبًا من التعارض الظاهري بين الروايات في مصادر أخرى: فالخلاف ليس دائمًا في نفس الحادثة، بل أحيانًا يكون في الخلط بين موضعين متشابهي الاسم.


٤-رقم [١٥٣] - الغار الذي في أُحد


عن المطلب بن عبد الله: أن النبي ﷺ لم يدخل الغار الذي في الجبل الذي بأُحد.


جاءت الرواية: أن النبي ﷺ لم يدخل الغار الذي بأحد. وهذا ردٌّ على ما اشتهر عند بعض الناس من نسبة دخوله ﷺ إلى الغار الموجود بجبل أحد.


٥- رقم [١٥٤] - مسجد بني خُدرة


عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ لم يصلِّ في مسجد بني خُدرة.


ولا يذكر الباب خلافًا آخر سوى هذه الرواية.


٦- رقم [١٥٥] - مسجد مازن: تخطيط بلا صلاة


رواية مهمة ودقيقة عن عمرو بن يحيى بن عمارة عن أبيه: أن النبي ﷺ وضع مسجد مازن بيده، وخطّه، وهيّأ قبلته، ولم يصلِّ فيه. وهذه الرواية من أدق الروايات في الباب لأنها تفرّق بين فعلين مختلفين: فعل التخطيط والتأسيس (وقد ثبت للنبي ﷺ)، وفعل الصلاة الفعلية (وقد نُفي عنه). وهذا التمييز الدقيق هو بيت القصيد في هذا الباب كله: كثير من هذه المساجد نُسبت للنبي ﷺ من جهة (التأسيس) أو (الزيارة) لا من جهة (الصلاة) فيها فعليًا، فوقع الخلط عند العامة بين الأمرين.


٧- رقم [١٥٦] - مسجد بني حرام الأكبر


عن حرام بن عثمان: أن النبي ﷺ لم يصلِّ في مسجد بني حرام الأكبر.


لاحظ التكرار في تسمية (الأكبر) (بني سالم الأكبر، بني حرام الأكبر) مما يشير إلى وجود أكثر من مسجد بنفس الاسم القَبَلي في كل حالة (أكبر وأصغر)، وهو أحد أسباب الاضطراب التاريخي في تحديد أي المسجدين يقصده كل راوٍ.


٨- رقم [١٥٧] - سقيفة بني ساعدة (بداية خبر آخر)


عن سهل بن سعد: أن النبي ﷺ جلس في سقيفة بني ساعدة… (الخبر يتصل بما بعده وينتقل لموضوع آخر غير الصلاة في المساجد تحديدًا، بل جلوس النبي ﷺ في السقيفة). الحاشية هنا تذكر ترجمة سهل بن سعد الساعدي: أن اسمه كان (حزنًا) فغيّره النبي ﷺ، وأنه كان ابن خمس عشرة سنة عند وفاة النبي ﷺ، وأنه عُمِّر طويلًا حتى كان آخر من مات من الصحابة، وأدرك الحجاج.


ثالثًا: منهج أبي غسان في هذا الباب:


يتبين من مجموع الروايات أن أبا غسان لم يكن بصدد إثبات فضائل لجميع المساجد المنسوبة إلى النبي ﷺ، بل كان يمارس نقدًا للرواية التاريخية؛ إذ جمع ما اشتهر بين الناس ثم نقل الروايات التي تنفي وقوع الصلاة في عدد من تلك المساجد.


ومن أبرز ما يظهر في منهجه:


- التفريق بين بناء المسجد أو تحديد موضعه وبين الصلاة فيه.


- التفريق بين دخول المكان أو الجلوس فيه وبين الصلاة فيه.


- عدم الجزم بالروايات المشتهرة إذا لم يثبت عنده ما يؤيدها.


خلاصة علمية:


تدل هذه النصوص على أن كثيرًا من المساجد التاريخية في المدينة المنورة ارتبطت في الذاكرة العامة بصلاة النبي ﷺ، إلا أن أقدم الروايات المدنية التي حفظها أبو غسان تفرق بين ما ثبت فيه فعله ﷺ، وبين ما اقتصر فيه الأمر على دخوله أو جلوسه أو تحديد موضعه، بل صرحت في عدد من المواضع بأنه لم يصلِّ فيها. ولذلك فإن نسبة الصلاة إلى هذه المساجد لا يصح الجزم بها إلا بدليل صحيح، وهو المنهج الذي سار عليه المحققون ومؤرخو المدينة في التعامل مع هذه الأخبار.





Tags: